السيد عباس علي الموسوي

66

شرح نهج البلاغة

الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوته ) . هذا بيان لامكان معرفته بآثاره وما خلقه من هذا العالم فإنه سبحانه أرانا من ملكه العظيم الذي خلقه بقدرته ما يدل على معرفته . كما أن عجائب افعاله وأعماله وما أفصحت عنه من الاتقان والحكمة والسداد والصواب يدل على أن هناك خالقا مبدعا لها وقائما عليها . وكذلك المخلوقات كلها تحكي فقرها وحاجتها إليه ليبقى وجودها ويحفظها من التفتت والأنهار . . ( ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته ) . أرانا جميع ما تقدم - من ملكوت القدرة وعجائب آثاره واعتراف الحاجة من الخلق - أرانا كل هذا ليدلنا من خلالها بالبداهة والفطرة وبالنظرة البسيطة إلى وجود الأدلة والبراهين على وجوده فإن من تفكر في هذه الأمور اكتشف من خلالها بكل بساطة وجود اللّه وأهم صفاته كالقدرة والعلم وغيرها . . . ( فظهرت البدائع التي أحدثتها آثار صنعته وأعلام حكمته فصار كل ما خلق حجة له ودليلا عليه وإن كان خلقا صامتا فحجته بالتدبير ناطقة ودلالته على المبدع قائمة ) . ما أبدعه اللّه من خلقه في حسن صورة وتناسق ودقة وحكمة سواء كان في العالم الكبير الذي هو الكون أو العالم الصغير الذي هو الإنسان كل ذلك حجة له على خلقه بأنه اللّه الواحد الأحد ودليلا يدل عليه فصار كل ما خلق يحكي عن وجوده وحجة له على خلقه ودليلا عليه حتى الصامت كالجمادات تحكي وجود اللّه وتدل عليه بلسان الحال الذي يحكمها وهو الامكان والفقر واحتياجها إلى موجد يوجدها ويخرجها من زاوية العدم فإن كل ذلك يحكي عنه ويبرهن على وجوده . . . ( فاشهد أن من شبهك بتباين أعضاء خلقك وتلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبه لتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ندلك ) . أراد عليه السلام أن ينزه اللّه عن مشابهته لمخلوقاته فشهد أن من شبه اللّه بخلقه الذين خلقهم وخلق لهم أعضاء متباينة وجعلها متلاحمة مكسوة باللحم لتحفظ من الفساد من شبهّ اللّه بمثل هذا المخلوق ذو التركيب لم يعرف اللّه ولم يهتد إليه ولم يحصل له اليقين بأنه لا نظير له ولا شبيه . ( وكأنه لم يسمع تبرؤ التابعين من المتبوعين إذ يقولون تاَللهِّ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ) . هذا شاهد له ودليل على ما قال من أن من شبه اللّه بخلقه لم يعرفه فقد حكت الآية الكريمة قول المشبهة فقال تعالى : فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ